الخميس، 16 يناير 2014

من هم مؤلّفو القرآن (1)


((إذا انطلق الإنسان في بحثه عن الحقيقة من مقدّمات أكيدة، فسينتهي حتماً إلى الشك. ولكنه إذا كان مصمّماً بأن ينطلق من مقدّمات شكية فإنه سيتوصّل إلى نتائج دقيقة)) [فرنسيس بيكون 1561- 1626]

مقدّمة
حسب الإسلام، إنّ التشكيك بمقولة أنّ القرآن نزل على رسول الله، وأنه كلام الله نفسه هو كفر واضح. وقد يواجه المسلم الحكم بالموت ببساطة فقط لأنه لوجود بذرة الشك حول أصالة القرآن في نفسه. فالقرآن فوق كل شيء. وليس هناك أي شيء بين خلق الله أكثر قداسةً من القرآن. 
خلال مرحلة البحث والتحقيق في كتب التراث، نجد أنّ هناك الكثير من الأشخاص المشاركين في عملية تجميع وتدوين القرآن. وهم غير معروفين بالنسبة لأغلب المسلمين في العالم الإسلامي. وهناك أدلّة غزيرة بين ثنايا صفحات القرآن، والحديث، والسيرة التي تبطل الزعم القائل أنّ الله قد خلق القرآن. وأنا أعتقد أنّ جعل الله هو مؤلّف القرآن هو الكذبة الأساسية التي تمّ فرضها على الجنس البشري لأكثر من ألفية كاملة. وبإمكاننا أن نقول ونحن متأكّدين انه لم يكن محمد هو الوحيد الذي قام بتأليف القرآن. ففي الواقع، إنّ الجزء الأكبر من القرآن ملهم أو مكتوب أو مفبرك على أيدي العديد من الأشخاص غير محمد. ومن أبرزهم:
● أمرؤ القيس: شاعر عربي قديم توفي قبل عدّة عقود من ولادة محمد.
● زيد بن عمرو بن نفيل: قام بالارتداد عن الإسلام ثمّ بشّر للحنيفية.
● لبيد: شاعر عربي.
● حسّان بن ثابت: الشاعر الرسمي لمحمد.
● سلمان الفارسي: أحد أتباع محمد المخلصين ومستشاريه.
● الرّاهب بَحيرا: راهب نسطوري تابع للكنيسة السورية.
● جبر: جار مسيحي لمحمد.
● ابن قمتة: عبد مسيحي.
● خديجة بنت خويلد: زوجة محمد الأولى.
● ورقة بن نوفل: ابن عم خديجة زوجة محمد.
● أبَي بن كعب: أحد كتبة القرآن، كان مقرّبأً جداً من محمد.
● محمد نفسه.

كما أنّ هناك آخرين شاركوا في تأليف القرآن بشكل مباشر أو غير مباشر:
● الصابئة
● عائشة: الطفلة التي تزوّجها محمد.
● عمر بن الخطاب صديق محمد ورفيق دربه والخليفة الثاني بعد أبو بكر.
● عبد الله بن سلام بن الحارث: كان يهودياً ثمّ تحوّل إلى الإسلام.
● مخيريق: حاخام يهودي سابق تحوّل أيضاً إلى الإسلام.

طبعاً، الأشخاص الذين وردت أسمائهم في القائمة هنا ليسوا هم الوحيدين الدين ساهموا بتأليف القرآن، بل قد يكون هناك الكثير من الأفراد والفرق الأخرى المشاركين في بناء القرآن لم أذكرهم. لكن القائمة المذكورة في الأعلى قد تكون كافية لتكوين نظرة شاملة حول المسألة. في هذه الدراسة قمت بدراسة المصادر أعلاه ودورها في النص القرآني.
والآن، لفهم القرآن وكتّابه ومؤلّفوه، علينا قبل كل شيء أنّ نفهم الخلفية الاجتماعية والثقافية التي نشأ فيها محمد، رسول الله.

۞ الأصول الوثنية لمحمد
تلك حقيقة لا تقبل الشك أنّ محمد قد ولد من أبوين وثنيين. والده عبد الله، ووالدته آمنة كانا وثنيين، وكانا يعبدان أصناماً متعدّدة. وطفولته كانت (على الأرجح حتى بلغ سنّ المراهقة) وثنية بالكامل. وسيرى الكثير من المسلمين اليوم صعوبة بالغة في تقبّل هذه الحقيقة. على كل حال، أصل محمد الوثني يؤكّد هشام ابن الكلبي في كتابه "الأصنام" ص 17، حيث ينقل لنا:
((وقد بلغنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها يوماً، فقال: لقد أهديتُ للعُزّى شاةً عفراءَ، وأنا على دين قومي)) [الأصنام، ص19]
ونستنتج من التصريح أعلاه أنّ محمد يعترف بماضيه الوثني _الدين الرسمي لقريش.
مبدئياً، مدح محمد الآلهة الرئيسية الثلاثة (الأصنام) للوثنيين عندما وافق القرشيين في موقف معيّن بأنّ هذه الآلهة كانت شفيعة عند الله. وفي نفس الصفحة ينقل لنا الكلبي:
واللات والعُزّى
ومناة الثالثة الأخرى
فإنّهن الغرانيق العلا
وإنّ شفاعتهنّ لترتجى [الأصنام، ص19]
وكان يطلق على هذه الإلهات الثلاث اسم "بنات الله" وكان يعتقد أنّ لهنّ شفاعةً عند الله. عندما أنزل الله على محمد الآيات التالية مصحّحاً: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } [النجم: 19- 23].
عندما بلغ محمد سنّ الرشد وبدأ بحضور الاجتماع السنوي للشعراء العرب في سوق عكاظ، أضحى شديد الإعجاب والتأثّر بأفكار وفصاحة وشاعرية وإنسانية وطريقة تفكير العديد من أولئك الشعراء. حيث أنه في تلك الفترة بالذات بدأ بالتشكيك بديانته الوثنية والتبشير بمفهومه الجديد عن الإله الواحد، الخالق _وهذا المفهوم مشابه للمفهوم اليهودي والمسيحي في ذلك الوقت. ومع ذلك، كان متحيّراً بشأن أي إله سيتخذه رباً له. الله، الإله (إله القمر، ويشير إلى ذلك رمز الهلال الإسلامي الموجود على قباب المساجد) حيث أنه في ذلك الزمن كان هو إله الوثنيين الأعلى. عيبهم الوحيد كان أنهم وبالإضافة إلى الله كانوا يعبدونه، كشفعاء عند الله، الأعظم والأعلى، آلهة وإلهات أخرى مثل: هبل، اللات، العزى، مناة... إلخ. لذلك، وأثناء بدايات تشكّل مفهومه عن الخالق ، كان الله يخرج من حيّز عقله. بالإضافة إلى أنه في ذلك الوقت بالذات كان السحرة والمشعوذون والعرّافون وحتى عبدة الشيطان يقسمون بالله. وهكذا، وجد محمد أنه من المناسب جداً جعل (الله) إلهاً له "إيلاه".
خلال تلك الفترة الوثنية كان أهل اليمن يعبدون إلهاً آخر كانوا يطلقون عليه اسم "الرحمن". وقد تبنّى محمد لفترة معينة اسم "الرحمن" اسماً لإلهه. بنفس الوقت، كان الرحمن أيضاً كلمة يهودية "رحمانة" التي كانت تعتمد تسميةً للإله خلال الحقبة التلمودية [تاريخ القرآن: تيودور نولدكه، ص 53]. لقد اعتقد محمد بذكاء أنّه وباستعمال الكلمة "الرحمن" سيكون قادراً على جذب الانتباه إلى عقيدته الجديدة، اليهود والوثنيين في نفس الوقت. لاحظوا من فضلكم أنّ الله لم يذكر في أي مكانٍٍ من القرآن أنّ له تسعاً وتسعين اسماً إضافياً، ومن ضمنهم "الرحمن".
لذلك، عندما أعلن نفسه رسولاً للرحمن، شعر المكيّون بدورهم أيضاً بالضياع والارتباك. لم يكن المكيون يعرفون أي "رحماناً" آخر غير الرحمن في اليمامة (بعض الكتاب يقولون أنّ الرحمن كان في اليمن). وللتحقق من ادّعاء محمد أرسل القرشيّون وفد إلى يهود المدينة، حيث أنهم اعتقدوا أنّ الرحمن كان فعلاً إلهاً في اليمن أو اليمامة. حيث يقول المؤرّخ الإسلامي ابن سعد في طبقاته:
((بعثت قريش النضر بن الحارث بن علقمة وعقبة بن أبي معيط وغيرهما إلى يهود يثرب وقالوا لهم سلوهم عن محمد فقدموا المدينة فقالوا أتيناكم لأمر حدث فينا منا غلام يتيم حقير يقول قولا عظيما يزعم أنه رسول الرحمن ولا نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة قالوا صفوا لنا صفته فوصفوا لهم قالوا فمن تبعه منكم قالوا سفلتنا فضحك حبر منهم وقال هذا النبي الذي نجد نعته ونجد قومه أشد الناس له عداوة)) [الطبقات الكبرى، ابن سعد، ص 189- 190]
عندما نقرأ، بعقل غير متحيّز، السور الخمسين الأولى (حسب الترتيب الزمني) من القرآن نلاحظ التشويش والارتباك الذي وقع فيه محمد بين الرب، الله، والرحمن. لم يكن محمد متأكّداً أي من هؤلاء الثلاثة سيتخذه إلهاً له. هنا سنعرض السور الخمسين التي توضّح لنا نظرة محمد إلى الله:
الرب الواحد: القلم، الليل، الفجر، الشرح، العاديات، الكوثر، الفيل، الناس، القدر، قريش، القيامة (11 سورة)
الرحمن، الرّبّ: الرحمن، يس (سورتان)
الرحمن، الله، الرّبّ: طه (سورة واحدة)
الله، الرّبّ: المزّمّل، القدر، المدثر، التكوير، الأعلى، النجم، البروج، ق، ص، الأعراف، الجن، الفرقان، فاطر، الواقعة، الشعراء، النمل، القصص، الإسراء (18 سورة).
وهذا يعرض تذبذب محمد وتشوّشه وجهله المبدئي بأمور إلهه (إيلاه).
ويؤكّد القرآن أيضاً أنه عندما بدأ بالتبشير بإيمانه الجديد، كان محمد ضائعاً، مرتبكاً ولم يكن يعرف الكثير عن الأمور الدينية. حيث يقول القرآن هنا: 
كان محمد ضالاً، فهداه الله {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7]
ويرد ابن كثير في شرحه تفسيراً غريباً لهذه الآية لا يتجاوز عن كونه مجرّد ميثة أو حكاية خيالية من خيالات الأطفال. لكنه يرد تفسيراً آخر على لسان قتادة ((وقال قتادة في قوله ( ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى ) قال كانت هذه منازل رسول الله قبل أن يبعثه الله عز وجل)) أي أنه كان يتيماً فآواه جدّه ثم عمّه من بعده، وكان ضالاً أي وثنياً على دين قومه حسب الاعتبارات الإسلامية، فهداه الرب إلى الإسلام.
كان محمد في الماضي طائشاً {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 3]، وما يؤكّد الطرح في الآيتان السابقتان ما جاء في الآية التالية، وهذا إقرار مباشر من الرب بأنّ محمداً لم يكن يعرف الإيمان ولا الكتاب وكان "ضالاً" {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52]. إذن كيف تعلّم محمد أسس وقواعد ديانته الجديدة؟ اقرأ التالي لتعرف.

۞ امرؤ القيس
كان الشعر بالنسبة للعرب القدماء شغفاً. فقد كان للشعراء مكانة رفيعة في المجتمع، كما أنّ كلمات العديد من الشعراء البارعين كانت تعتبر في المرتبة الثانية بعد كلمات الله. ففي أرض صحراوية، خالية من الترفيه وكافة أساليب الرخاء الطبيعي، كان العرب القدماء يجدون العزاء، والسلام، والهدوء، والعاطفة الهيّاجة للحرب والانتقام من خلال كلمات شعرائهم. حيث أنّ الشعراء كانوا بمثابة الغذاء العقلي والفكري لأقوامهم. فقط سبعة من هؤلاء الشعراء كانت قصائدهم تعلّق بشكلٍ دائم على جدران الكعبة، كانت تلك القصائد تعرف باسم "المعلّقات".
ورد في "قاموس الإسلام" [ص 460] أنّ تلك القصائد كانت تعرف أيضاً باسم "المذهّبات"، لأنها كانت مكتوبة بماء الذهب. أمّا كتّاب تلك القصائد هم: زهير، طَرَفَة، امرؤ القيس، عمرو بن كلثوم، الحارث، عنترة، ولبيد.
ومن بين هؤلاء الشعراء الخالدين كان أشهرهم "امرؤ القيس"، الذي يعتبر "ملك" أو أسطورة الشعر العربي من دون منازع. كان امرؤ القيس أميراً، كما أنّ والده كان ملكاً عشائرياً عربياً. وبسبب ولعه العاطفي بالحب والشعر كان قد أرهق أباه وأتعبه، فطرده والده من قصره. فيما بعد، عاش حياة عزلة يرعى الغنم والخراف مكرّساً جلّ حياته للشعر. في النهاية، أصبح شاعراً جوّالاً يهيم على وجهه وقضى حياةً كئيبةً عندما كادت قبيلته أن تفنى في حرب عشائرية. سافر في الأرجاء حتى وصل في النهاية إلى مدينة القسطنطينية. ويقال أنّه قتل على يد حاكم المدينة لأنه أسر قلب أميرة رومانية بحبّه وشعره وقصائده. مات خلال الفترة ما بين عامي 530- 540 بعد الميلاد، قبل ولادة محمد. أمّا قصائده منقطعة النظير كانت تتردّد على شفاه جميع العرب، ومن المؤكّد أنّ محمد قد حفظ الكثير من أعماله الخالدة. ويقال أنّ محمد قد مدح امرؤ القيس وقال عنه أنه أعظم الشعراء العرب. إذن ليس هناك أدنى شك أنه متأثراً بأشعار امرؤ القيس ومتحمّساً بتقليد أشعاره في المراحل الأولى من عملية تأليف القرآن.
يدرج مؤرّخو القرآن عادةً سورة العلق كأوّل سورة نزلت من الله إلى محمد. على أية حال، دراسة منتظّمة للقرآن قد تكشف أنّ القضية ليست كذلك. في الحقيقة، ورد في معجم الإسلام [ص 485] استشهاد بالمصادر الإسلامية، أنّ الآيات المبكّرة (قبل نزول الوحي الأول لسورة العلق) على الأرجح هو كالتالي:
السورة رقم 99 (سورة الزلزلة).
السورة رقم 103 (سورة العصر).
السورة رقم 100 (سورة العاديات).
السورة رقم 1 (سورة الفاتحة).
هذه السور قصيرة، ومغرقة في روحانيتها، وساحرة. وقد يكون من المفيد إلقاء نظرة متفحّصة على اثنين من هذه السور القصيرة:
■ سورة الزلزلة 99
{إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) }
■ سورة العصر 103
{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)}
قام سانت كلير تسدل كاتب المقالة الشهيرة [مصادر الإسلام، ص 235- 236]ٍ من خلال المقارنة بين فقرتين من المعلقات السبع، وجد تشابهاً وتماثلاً كبيراً مع آيات في القرآن.
{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1]
{وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى: 1- 2]
ويقول تسدل معلّقاً على الآية الأولى: ((قال المؤرّخون إنه جرت العادة سابقاً بين العرب أنه إذا نبغ بينهم رجلٌ فصيحٌ بليغ، وألّف قصيدة بديعة غرّاء علّقها على الكعبة، وأنّ هذا هو سبب تسمية "المعلّقات السبع" بهذا الاسم، لأنها علّقت على الكعبة... ومن الحكايات المتداولة في عصرنا الحاضر أنّه لمّا كانت فاطمة بنت محمد تتلو الآية الأولى من سورة القمر سمعتها بنت امرئ القيس، فقالت لها: هذه قطعة من قصائد أبي، أخذها أبوك وادّعى أنّ الله أنزلها عليه.)) [نسخة إلكترونية، ص12]
لذلك، فالعلاقة بين امرؤ القيس وبعض الآيات القرآنية المبكّرة واضحة جداً. ويتابع تسدل في التعليق على هذه الصلة: ((من الواضح وجود مشابهة بين هذه الأبيات وبين آيات القرآن. فإذا ثبت أنّ هذه الأبيات هي لامرئ القيس حقيقةً، فحينئذٍ يصعب على المسلم توضيح كيفية ورودها في القرآن، لأنه يتعذّر على الإنسان أن يصدّق أنّ أبيات وثني كانت مسطورة في اللوح المحفوظ قبل إنشاء العالم.
ولست أرى مخرجاً لعلماء الإسلام من هذا الإشكال إلا أن يقيموا الدليل على أنّ امرؤ القيس هو الذي اقتبس هذه الآيات من القرآن، أو أنها ليست من نظم امرؤ القيس الذي توفي قبل محمد بثلاثين سنة)). [نفس المصدر، ص 13]
في الواقع، إنّ كلمة "الله" موجودة بين أبيات المعلّقات السبعة، وضمن قصائد ديوان لبيد. لذا عندما يزعم المسلمون أنّ القرآن هو كلام الله، هل يقصدون أنّه نسخة أبيات شعرية من قصائد أمرؤ القيس؟
ينبغي علينا الآن أن نتعرّض الآن بشكل مختصر إلى مساهمة زيد بن عمرو بن نفيل في تدوين القرآن.

۞ زيد بن عمرو بن نفيل
خلال فترة حياة محمد، كانت تتشكّل حركة دينية جديدة لمواجهة الوثنية، بقيادة مجموعة من المفكّرين الأحرار. رفضت هذه الجماعة آلهة الوثنية، ولتحقيق حاجتهم الروحية كانوا يبحثون عن ديانة جديدة. كانوا يعرَفون باسم "الحنفاء" أو "المتحنّفين".
ورد في معجم الإسلام [ص 161- 162] أنّ المعنى الأصلي لكلمة "الحنيف": المنحرف أو الضال، بمعنى آخر هو المرتد عن دينه إلى دين آخر.
أمّا المعنى الآخر لكلمة "الحنيفية" فهو: 1) أي أحد متحمّس للإسلام. 2) متشّدد في إيمانه. 3) أو على ملّة النبي إبراهيم.
يقول سانت كلير تسدل في كتابه "مصادر الإسلام": ((وأصل كلمة "حنيف" في اللغة العبرية والسريانية تعني: نجس أو مرتد. لأنّ عَبَدَة الأصنام من العرب أطلقوا على زيد وأصحابه لقب "حنفاء" ليصفوهم بالارتداد، لأنهم تركوا ديانة أسلافهم عََبَدَة الأصنام)) [ص 70- 71].
استعمل محمّد فيما بعد كلمة "حنيف" للدلالة أولاً على ديانة إبراهيم، ثمّ ثانياً إلى أيّ شخص مخلص لدين الإسلام. لذلك، من المفترض أن يكون المسلمون حنفاء، وبشكلٍ أكثر دقة، أتباع زياد!
في نفس المقالة وضمن نفس الصفحة يقول تسدل: ((فاستحسن محمد والعرب الحنفاء أن يختصّوا بهذا اللقب، وفسّروا هذا اللقب تفسيراً حسناً وصبغوه بمعنى مناسب)) [نفس المصدر، ص 71].
وحسب رواية ابن إسحاق [ص 99] أشهر هؤلاء الحنفاء المرتدّين في مكّة خلال الفترة التي عاش فيها محمد هم:
● ورقة بن نوفل: حيث أنه أصبح فيما بعد مسيحياً.
● عبيد الله بن جحش: أصبح مسيحياً بعد أن هاجر إلى الحبشة. كانت زوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وقد تزوّجها محمد فيما بعد.
● عثمان بن الحويرث: رحل فيما بعد إلى الإمبراطورية البيزنطية، وأصبح مسيحياً.
● زيد بن عمر بن نفيل: ترك ديانته الأصلية الوثنية، ويقال أنه عبد إله إبراهيم.
كان ورقة ابن عم خديجة، زوجة محمد الأولى. ويقترح بعض الكتّاب أنّه كان يهودياً قبل أن يعتنق المسيحية. عبيد الله كان حفيد عبد المطّلب وعثمان بن الحويرث كان له موقع عالي وهام في المحكمة البيرنطية في سوريا.
فقط زيد بن عمرو بقي حنيفياً متشدّداً. وقد اعتاد على القول: "أنا أعبد ربّ إبراهيم"، إلا أنه قد عاتب شعبه على ضلالهم وانحرافهم عن طريق الحق. [ابن إسحاق، ص 287]
حسب ما ورد في مقالة تسدل كان زيد دائماً يتعبّد داخل غار بالقرب من مكّة، وليس هناك شكّ أنّ محمداً قد تأثر بزيد، وأنه قد أعجب بطريقته حتى أنه كان يذهب إلى نفس الغار طلباً للهدوء والعزلة والعبادة (([أفادنا ابن هشام في سيرته ج2، ص80- 81 أنّ خطّاباً (عم زيد) طرده من مكّة وألزمه أن يقيم على جبل حراء أمام تلك المدينة، ولم يأذن له بالدّخول إلى مكّة. وكذلك نستفيد من هذا الكتاب أنّ محمّداً كان معتاداً أن يقيم في غار جبل حراء في صيف كل سنة للتحنّث حسب عادة العرب. فالأرجح أنه كان يجتمع بزيد بن عمرو، لأنه أحد أقربائه. وأقوال ابن إسحاق تؤيّد هذا القول، لأنه قال أنه لمّا كان محمد في ذات هذا الغار ((جاءه جبريل بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء في شهر رمضان... كان رسول الله يجاور في حراء من كل سنةٍ شهراً))] [مصادر الإسلام، ص 70].
وينقل لنا ابن إسحاق أنّ زيد بن عمرو عندما كان يقابل القبلة كان يستعيذ بالذي كان يستعيذ به النبي إبراهيم. [ابن إسحاق، ص 99- 100]
كما أنّ زيد كان يمقت قتل الحيوانات من أجل تقديم الأضاحي للأصنام، وأدان الممارسات والطقوس الوثنية لوأد الإناث المولودات (وأظنّ أنّ عادة وأد البنات كانت عادة نادرة جداً، هذا إذا لم تكن حالة وحيدة هي التي تمّ ذكرها في القرآن والحديث: هذه الكتب تتحدّث عن تلك الممارسات الوثنية بشكلٍ مبهم ومن دون أي ذكر محدّد لعملية الوأد).
ذات مرّة رأت ابنة أبو بكر "أمينة" العجوز زيد بن عمرو داخل الكعبة. وينقل ابن إسحاق لنا ذلك الخبر ((هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما، مسندا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معاشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري. ثم تابع يقول: يا الله، لو عرفت كيف تريد أن أعبدك فسأعبدك، لكني لا أعرف. ثم تمدّد وأسند رأسه على راحتي يديه)) [ابن إسحاق، ص 99- 100]
إنّ السجلاّت التاريخية لا تذكر بوضوح ما الذي حدث لزيد بن عمرو بن نفيل بالضبط. على أيّة حال، كتب ابن إسحاق أنّ والد الخليفة عمر، الخطّاب، (أي أنّ عمر بن الخطّاب كان ابن عمّ زيد) كان يضايق زيد ويضطهده بشدّة، وفي النهاية مات مقتولاً. أمّا من الذي قتل زيد، فقد بقي ذلك لغزاً. ويعلّق هنا ابن إسحاق: (( أنّ خطّاباً طرده من مكّة وألزمه أن يقيم على جبل حراء أمام تلك المدينة، وكان زيد يزور مكة سرّاً... ثم غادر زيد مكّة ساعياً وراء دين إبراهيم _حيث طاف أرجاء سوريا. ثمّ عاد إلى مكّة لكنه قتل)). [ابن إسحاق، ص 102]
إذن كما رأينا في الأعلى، فبسبب موقفه الثابت على مبادئ الحنيفية، وبسبب تعليقاته الساخرة من الوثنية، قامت قريش بنفيه من مكّة وحُرّم عليه البقاء فيها. كان شخصاً منبوذاً، مقاطَعاً ومزدرىً بشدّة من قبل القرشيين. وجب عليه العيش في الغار في جبل حراء، مقابل المدينة. محمد الذي كان شخصاً يائساً وكئيباً في ذلك الوقت، اعتاد على زيارة زيد في ذلك الغار.
ونلاحظ أنّ ابن إسحاق نقل لنا أخبار محمد وكيف أنّ جبريل كان ينزل عليه في ذلك الغار. وعندما نضع باعتبارنا حقيقة أنّ محمد قد اعترف أنّ جبريل، في عدّة مناسبات، قابل محمد في شكل بشري، ويبدو الأمر شبيهاً عندما كان محمد يزور زيد بن عمرو ليتعلّم منه الدين الحنيفي الجديد، وعلى الأرجح أنه كان يظنّ أنّ زيد ما هو إلا الملك جبريل ذاته. كما أنه من المرجّح أنّ زيد بن عمرو قد اهتمّ بتعليم محمد كيفية القراءة والكتابة، وقصائده _أو بالأحرى آياته_ التي أصبحت فيما بعد آيات قرآنية.
يذكر ابن إسحاق في سيرته [ص 105] أنّ محمداً اعتاد الصلاة في غار حراء كل سنة ولمدّة شهر كامل لممارسة "التحنّث"، وهو عبارة عن طقس وثني (وذلك دليل على خلفية محمد الوثنية). والتحنّث هو التبرّر أو الولاء الديني، حسب لغة قريش. ويؤكّد البخاري في صحيحه أنّ محمد قد زار زيد في معتزله في غار حراء. وأنه قد عرض عليه لحماً من حيوان تم التضحية به للأصنام.
((عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، فقدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه. وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله. إنكارا لذلك وإعظاما له.)) [صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، 3614]
((عن ابن عمر: أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام، يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم، فقال: إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا، حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا، وأنى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد فلقي عالما من النصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله، ولا من غضبه شيئا أبدا، وأنى أستطيع؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله. فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج، فلما برز رفع يديه، فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم)) [السابق، 3615]
((عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما، مسندا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معاشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري. وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيكها مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت، قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها.)) [السابق، 3616]
الحديث الأول يخبرنا شيئاً عن وثنية محمد، حيث أنه في البداية كان قد تناول لحم الضحية التي قدمها قومه الوثنيون إلى الأصنام. (ويؤكّد هذا الكلام هشام بن الكلبي) لكنّ زيد بن عمرو رفض وبعناد أكل لحم أي حيوان تمّت التضحية به لأجل الأصنام. وقد تعلّم محمد من زيد عادة الامتناع عن أكل لحوم الأضاحي المقدّمة للأصنام (أو اللحم الحرام). أمّا الأحاديث الباقية فهي تخالف بوضوح الحديث الأول حول مسألة تناول محمد للحم الحرام. على كل حال، إذا أمعنا النظر في هذه الأحاديث فسنلاحظ مباشرة أنّ محمد قلّد زيد في عادة اللحم الحلال، كما أنه أخذ من زيد فكرة إلهه. وبعد كل ذلك، هل بإمكاننا أن نتوصّل إلى نتيجة أنّ فكرة الإسلام قد جاءت من عند زيد؟ في السيرة النبوية لابن إسحاق [ص 102] نجد العديد من المقاطع الشعرية التي ألّفها زيد متشابهة مع الكثير من الآيات القرآنية. لذلك، أليس ذلك كافياً لنقول أنّه بعد حادثة القتل الغامضة والطارئة والمبهمة التي راح ضحيّتها زيد، أنّ محمد أخذ عباءته، فلسفته، شعره، حماسه لنشر الحنيفية؟ [سأفرد ملحقاً خاصاً للأبيات الشعرية الخاصة بزيد والآيات القرآنية التي تماثلها]
كتب ابن إسحاق في سيرته [طبقات ابن سعد، ج1، ص 185] أنه عندما بدأ محمد بنشر عقيدته (الإسلام)، وقد سأل في أحد الأيام شخص ما عن معنى كلمات زيد بن عمرو، فأجاب محمد ((فقد رأيته في الجنة يسحب ذيولاً)) وهذا يؤكّد أنّ محمد اعترف بفضل ومساهمة زيد تجاه مفهوم الإسلام عن الحنيفية.
المقتطفات التالية هي من كتاب "الطبقات الكبرى" لابن سعد حيث نراه يثبت أنّ محمد قد حصل على فكرة الإسلام من زيد بن عمرو [ج1، ص 185]
((قال زيد بن عمرو بن نفيل شاممت النصرانية واليهودية فكرهتهما فكنت بالشام وما والاه حتى أتيت راهبا في صومعة فوقفت عليه فذكرت له اغترابي عن قومي وكراهتي عبادة الأوثان واليهودية والنصرانية فقال لي أراك تريد دين إبراهيم يا أخا أهل مكة انك لتطلب دينا ما يؤخذ اليوم به وهو دين أبيك إبراهيم كان حنيفا لم يكن يهوديا ولا نصرانيا كان يصلي ويسجد إلى هذا البيت الذي ببلادك فالحق ببلدك فإن نبيا يبعث من قومك في بلدك يأتي بدين إبراهيم بالحنيفية وهو أكرم الخلق على الله))
من الواضح جيداً أنّ زيد قد كتب بعض السور القرآنية بنفسه (على الأرجح حوالي ثلاثين سورة، بدون تسلسل تاريخي أو زمني) ومن ضمنها تلك السور التي تتناول حنيفية النبي إبراهيم:
{قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135]
{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67]
{فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 95]
{وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125]
{حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79]
{مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161]
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 160]
{وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يونس: 105]
{حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج: 31]
{مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البيّنة: 5]
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} [الروم: 30]
كما ذكرت سابقاً، زيد بن عمرو كان ضدّ الشعائر والطقوس والآلهة الوثنية قلباً وقالباً، كما أنه عارض ممارساتها في وأد البنات. وقد ذكر القرآن هذه الممارسات النادرة التي كان يمارسها القرشيون ضمن ثلاث آيات:
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} [النحل: 58]
{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء: 31]
{وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8- 9]
من الواضح أنّ الآيات الواردة في الأعلى قد استلهمها محمد بشكل أو بآخر عن زيد بن عمرو بن نفيل، والأرجح أنّ زيد كتبها بنفسه أيضاً. فيما بعد، عندما مات زيد، قام محمد ببساطة بوضعها في قرآنه وزعم أنها من عند الله... وتؤكّد الأمثلة السابقة أنّ محمد قد نسخ قصص ومفاهيم وأسلوب زيد بن عمرو في تدوين القرآن.

۞ لَبيد
كان لبيد شاعراً مخضرماً، وكان له الأثر الكبير على محمد الذي قدّره حق قدره وأعجب به جداً. وسنتعرّض هنا للكلام عن مساهمة لبيد في تدوين القرآن.
هو لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري. ويخبرنا معجم الإسلام [ص 282] أنّ لبيد قد توفي في الكوفة بالعراق وكان عمره قد بلغ أكثر من 157عاماً. وكما قلنا سابقاً، كان لبيد أحد الشعراء السبعة الخالدين الذين كتبوا المعلّقات. ويدّعي المؤرّخون الإسلاميون أنّ لبيد قد اعتنق الإسلام عندما قرأ الآية الأولى من سورة البقرة، حين رآها معلّقة على جدار الكعبة، ويقال أنه سحب معلّقته واعتنق الإسلام. وهذا الادّعاء طبعاً لا يمكن أن يكون صحيحاً، حيث أنّ الآية الأولى من سورة البقرة تقول {ألم} هذه الرسالة الملغّزة التي ادّعى محمد أنها نزلت إليه من عند الله ولا أحد يعرف ما القصد منها سوى الله. أمّا البيت الشعري الذي قاله لبيد فقد كان: ((ألا كل شيء، ماخلا الله، باطل)). وقد قال محمد نفس الشيء للبيد _الشاعر الحقيقي.
حتى ولو قبلنا فكرة أنّ لبيد أصبح مسلماً بعد أن قرأ آية محمد، عندها من الواضح أنّ لبيد كان بالطبع هو الذي ساعد محمد في تأليف وبناء بعض آيات النص القرآني، التي أصبحت فيما بعد رسائل نزلت من الله على نبيه. تلك الآيات التي كتبها لبيد بالنيابة عن محمد كانت تلك الآيات التي تتعامل مع مسألة التقوى، الحثّ على أعمال الخير، وبعض القصص و الطقوس والأساطير العربية... إلخ.
وفي الأحاديث نلاحظ وجود أدلة وإشارات إلى لبيد، هنا بعض الأمثلة:
● صحيح البخاري:
((عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد: * ألا كل شيء، ماخلا الله، باطل * وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم)) [5، 58، 181]
● صحيح مسلم:
((عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال "أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل")) [28، 5604]
أعتقد أنّ محمداً، في البداية، أراد أن يبلغ الشهرة كشاعر عن طريق تقليد أسلوب وألفاظ وإيقاعات شعراء عصره المخضرمين. إلا أنّ أميته حالت دون ذلك، وكانت عقبة في طريقه الذي أراده لنفسه، حتى قابل زيد بن عمرو بن نفيل والشاعر لبيد _معلّماه ومرشداه اللذان سيغيّران مسار حياته بالكامل.
في البداية، وقبل أن يتزوّج من خديجة، من المحتمل أنّ محمد كان يحلم بأن يصبح شاعراً مخضرماً. وكان يكنّ الكثير من الإعجاب والتقدير للشخصيات الثلاثة التي مرّت معنا، الشاعران امرؤ القيس ولبيد، وزيد بن نفيل ذو النزعة الإنسانية بلغة اليوم. وبعد زواجه بخديجة، قابل الكثير من الشخصيات من معارف زوجته والتي كان لها اطلاعات واسعة على أمور دينية أخرى غير الوثنية، وقد بدّل رأيه. الآن، بدأ يفكّر بنظام عقائدي جديد. في الحقيقة، ورد في القرآن أنّ القرشيون قد اعتقدوا أنّ محمد كان يحاول أن يصبح شاعراً ويكتب قصائد، لكنّ الله أحبط اعتقاداتهم وظنونهم الخاطئة.
هنا نورد بعض الآيات التي تثبت الناحية الشاعرية عند محمد: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور: 30]
اعتقد الناس أنّ محمداً كان شاعراً حالماً، وأرادوه أن يقرأ عليهم بعض الأبيات الشعرية التي ألّفها، أو أن يريهم معجزة من المعجزات التي من المفترض أنّ الله قد أمدّه بها كما أمدّ باقي الأنبياء من قبله: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5]
لم يكتب محمد أي شعر، فمعجزته الوحيدة والواضحة هي القرآن: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ} [يس: 69]
محمد ليس شاعراً مجنوناً، ما هو إلا رسول قد جاء بالحق وليثب رسالة الأنبياء الذين جاؤوا قبله: {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ * بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 36- 37]
القرآن ليس كلام محمد، ولا هو كلام كاهن:{ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُون * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} [الحاقة 41- 42]


۞ حسّان بن ثابت
كان حسّان بن ثابت هو شاعر محمد الرسمي. وقد ألّف ديواناً كاملاً، مختارات أدبية وميثولوجية من الشعر العربي القديم. وعندما هاجر محمد إلى المدينة جعل من حسّان بن ثابت شاعره الخاص. ومع ذلك، كان لحسّان خصائصه وميّزاته الخاصّة. ومع أنه كان الشاعر الشخصي لمحمد، إلا أنه كان يكنّ كرهاً عميقاً للمسلمين. في كتاب "سيرة رسول الله" يقول البروفيسور ألفريد غيلايوم: ((لم يكن حسّان بن ثابت يحب هذا التزايد المطّرد في أعداد المسلمين. وكان يعتبر المسلمين المشرّدين كمصدر إزعاج تام. لم يستضف أياً من المهاجرين في بيته، كما أنه لم يؤاخي أياً منهم)).
على الأرجح أنّ حسّان شاعراً مأجوراً عند محمد. وكان يتقاضى أجره جرّاء إعداد قصائد حسب المواصفات المحمدية. وهذا ما تؤكّده الأحاديث التي نورد بعضها هنا.
● طلب محمد من حسّان أن يقرأ الشعر في المسجد ((عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة؛ أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد. فلحظ إليه. فقال: قد كنت أنشد، وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبي هريرة. فقال: أنشدك الله! أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "أجب عني. اللهم! أيده بروح القدس"؟ قال: اللهم! نعم.)) [صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسّان بن ثابت، 2485]. نستنتج من هذا الحديث بما لا يدع مجالاً للشك أنّ حسّان كان معتاداً على إلقاء الشعر في المسجد. ألا يمكن أن تكون قصائده إحدى الآيات القرآنية؟!!
● أمر محمد الشاعر حسّان بهجاء المشركين والوثنيين ((البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت "اهجهم، أو هاجهم، وجبريل معك".)) [السابق، 2486] يؤكّد هذا الحديث أنّ حسّان قد اعتاد على إعداد قصائد حسب طلب محمد _بنفس الطريقة التي أنزل بها الله القرآن عن طريق جبريل.
● هجاء حسان بن ثابت للمشركين ما عدا محمد ((عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن حسان بن ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجاء المشركين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فكيف بنسبي). فقال حسان: لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين.)) [صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب هجاء المشركين، 5798]... ((وعن هشام بن عروة، عن أبيه قال: ذهبت أسب حسان عند عائشة، فقالت: لا تسبه، فإنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.)) [السابق] وهذا دليل آخر على أنّ حسّان بن ثابت كان شاعراً مأجوراً، حتى أنه له مساهماته في بناء النص القرآني.
● منح أبو طلحة أغلى ممتلكاته لأقربائه. بمعنى آخر، حسّان بن ثابت وأبي بن كعب: ((عن أنس قال: لما نزلت {لن تنالوا البرَّ حتَّى تنفقوا مما تحبون} قال: أبو طلحة يا رسول اللّه، أرى ربنا يسألنا من أموالنا فإِني أشهدك أني قد جعلت أرضي بأريحاء له، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "اجعلها في قرابتك" فقسمها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب.)) [صحيح مسلم، 5، 2186]. هكذا كان محمد يكافئ حسّان بن ثابت جرّاء تأليف آيات قرآنية لمحمد (من خلال أشعاره، وبمساعدة جبريل)
● بعد أن أصيب حسّان بن ثابت بالعمى كان يقضي جلّ وقته في منزل عائشة. كانت عائشة تقدّره أيضاً، حيث أنه كان معتاداً عن كتابة نقد هجائي بالنيابة عن محمد: ((عن مسروق. قال: دخلت على عائشة وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعرا. يشبب بأبيات له. فقال: حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل، فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك. قال مسروق فقلت لها: لم تأذنين له يدخل عليك؟ وقد قال الله: والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم [24 /النور /11]. فقالت: فأي عذاب أشد من العمى؟ إنه كان ينافح، أو يهاجي عن رسول الله صلى الله عليه)) [السابق، 31، 6077]. وهكذا أنقذ الشاعر حسّان محمداً وقرآنه.
● هنا نورد حديثاً آخر من صحيح مسلم يزعم أنّ قصائد حسّان بن ثابت جاءت من مصدر إلهي أو قدسي (روح القدس) كما أنها تشبه بعض الآيات القرآنية: ((عن عائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "اهجو قريشا. فإنه أشد عليهم من رشق بالنبل" فأرسل إلى ابن رواحة فقال "اهجهم" فهجاهم فلم يرض. فأرسل إلى كعب بن مالك. ثم أرسل إلى حسان بن ثابت. فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه. ثم أدلع لسانه فجعل يحركه. فقال: والذي بعثك بالحق! لأفرينهم بلساني فري الأديم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تعجل. فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها. وإن لي فيهم نسبا. حتى يلخص لك نسبي" فأتاه حسان. ثم رجع فقال: يا رسول الله! قد لخص لي نسبك. والذي بعثك بالحق! لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين. قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان "إن روح القدس لا يزال يؤيدك، ما نافحت عن الله ورسوله". وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "هجاهم حسان فشفى واشتفى".)). [فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت، 2490]
وقال حسان:
هـجوت محمدا فـأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجـزاءُ
هـجــوت محمـداً بــراً تقيــاً * رسـول الله شيمته الوفــاءُ
فـإن أبـي ووالده وعرضـي * لـعرض محمد منكم وقـاءُ
ثكـلت بنيتـي إن لـم تـروهـا * تثـير النقـع من كنفي كـداءُ
يبـاريـن الأعنـّة مصعــدات * على أكتافها الأسل الظماءُ
تـظـل جـيـادنــا مــتمطّـرات * تلطمهـن بـالـخمـر النـساءُ
فإن أعرضتـمُ عنا اعتمرنا * وكان الفتح وانكشف الغطاءُ
وإلا فـاصبروا لضراب يوم * يعـــزّ اللّــه فيــه مـن يشاءُ
وقــال الله: قـد أرسلت عبداً * يقـول الحــق ليس بــه خفاءُ
وقــال الله: قد يسرت جنداً * هم الأنصار عرضتها اللقاءُ
لنـــا في كل يــوم من معد * سبــاب أو قــتال أو هــجاءُ
فمن يهجو رسول الله منك * ويمــدحــه وينصـره سواءُ
وجبريل رســول الله فينــا * وروح القدس ليس لـه كفاءُ 
كافأ محمد شاعره المرتزق بإهدائه فتاةً شابة جميلة "سيرين"، تمّ إهداءها لمحمد مع مارية القبطية من قِبَل حاكم الإسكندرية. احتفظ محمد بمارية لنفسه، لأنها كانت أجمل من تلك الفتاة الأخرى، وتبرّع بسيرين لحسّان بن ثابت كمحظية. ونقرأ في سيرة ابن إسحاق أنّ مارية وسيرين كانتا أختين [ابن إسحاق، ص 652].

يتبع......

مدونة بروميثيوس

اللادينية

  




اللادينية هي اتجاه فكري يرفض مرجعية الدين في حياة الإنسان ويؤمن بحق الإنسان في رسم حاضره ومستقبله واختيار مصيره بنفسه دون وصاية دين أو الالتزام بشريعة دينية، وترى أن النص الديني هو مجرد نص بشري محض لا ينطوي على قداسة خاصة ولا يعبر عن الحقيقة المطلقة.
ويمكن تعريفها أيضا بأنها:
الاعتقاد ببشرية الأديان، بغض النظر عن الاعتقاد بفكرة وجود إله أو آلهة أو عدم الاعتقاد بذلك.
استنادا إلى كتاب ثقافة اللادينية للمؤلفين كابورالي Rocco Caporale وجروميلي Antonio Grumelli التي طبعت في عام 1971 [1] فإن اللاديني هو شخص لايملك إيمانا بوجود الخالق الأعظم وفي نفس الوقت لايملك قناعة بعدم وجود الخالق الأعظم بمعنى آخر أنها مرحلة وسطية بين الأيمان والإلحادوهناك البعض ممن يعرف اللادينية كإلحاد ضعيف.
واللادينية ضمن هذا الفهم تختلف عن المفهوم التقليدي للإلحاد الذي يتخذ من قضية إنكار وجود الخالق منطلقا وركيزة أساسية، إذ تقدم اللادينية تصورا أكثر شمولا واتساعا للدين، فلا تختزل الدين بمجرد إلهية وإنما تطرح الإلهية باعتبارها جزءا صغيرا من منظومة فكرية واسعة، ومن هذا المنطلق فإن كل ملحد هو لاديني ولكن اللاديني ليس ملحدا بالضرورة بل تحمل اللادينية أطيافا متعددة لفهم الإلهية من الإنكار الكامل لها مرورا باللاأدرية أو عدم الاكتراث أصلا بوجود إله وانتهاء بإيمان خاص بوجود إله وفق فهم محدود لعلاقته بالإنسان.
بعض اللادينيين يعتبرون السؤال الأزلي حول وجود الخالق سؤالاً غير مهم من الأساس ويرى علماء النفس هذه الظاهرة إما تعبيراً عن شك داخلي عميق بالمرحلة الإنقالية التي يمرون بها من الأيمان إلى الإلحاد أو هي محاولة من اللاوعي للتخلص من الجدل الداخلي العميق بالركون إلى تجنب التعمق في إيجاد جواب لهذا السؤال الأزلي الذي حسمه أهل الأيمان وأهل الإلحاد منذ قرون [1]. هناك على الأغلب التباس بين مصطلح الإلحاد ومصطلحات أخرى مثل اللا دين واللاأدرية ويرجع هذا الالتباس إلى تداخل هذه التيارات مع بعضها وعدم وجود حدود واضحة تميز تيارا معينا عن الآخر ولكن هناك إجماع على إن اللاأدري يؤمن بإن استعمال دين أو فلسفة معينة لتأكيد أو نفي وجود الخالق الأعظم مهمة مستحيلة وغير مثمرة ولاتضيف شيئا إلى السؤال الأزلي حول معنى الحياة وكلمة اللاأدري هي ترجمة لكلمة إنجليزية مشتقة بدورها من كلمة إغريقية Agnosis وتعني حرفيا عدم المعرفة.

الخميس، 21 نوفمبر 2013

كيفية نشأة الأديان



يشترك علماء السوسيولوجي "علم الاجتماع" مع علماء الأنثروبولجيا "علم الإنسان" في البحث عن كيفية نشأة الأديان عند الإنسان، وقد سافر أغلبهم إلى مناطق نائية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وجزر المحيط الهادي لدراسة القبائل البدائية التي ما زالت معزولة عن العالم وتمارس نفس الطقوس والعادات التي مارسها أسلافهم قبل آلاف السنين يقول إيفانز-بريتشارد Evans-Pritchards (1902-1973) في كتابه Theories of Primitive Religions إن فصل الأديان البدائية عن الأديان السماوية عملية زائفة تؤدي إلى الغموض وعدم الفهم (Brian Morris, Anthropological Studies of Religion, p 5). فهو يرى أن الأديان البدائية بشعائرها وتابوهاتها المختلفة ما زالت تمثل جوهر الأديان السماوية، وسوف نستعرض هذه النقطة لاحقاً. 

أما الفيلسوف الألماني فيرباخ (1804- 1872) فيقول إن الدين يمثل مرحلة طفولة الإنسانية، والإله ما هو إلا الإنسان أو طبيعة الإنسان بعد تنقيتها وتحريرها من قيود الفرد (نفس المصدر ص 21). لماذا وكيف نشأت الأديان؟ يقول الفيلسوف البريطاني ديفيد هيوم David Hume (1711- 1776) في كتابه The Natural History of Religion (1757)، لم تنشأ الأديان عن عملية تفكير وإنما نشأت من عدم اليقين في حياة الإنسان البدائي الذي رأى تقلبات الطبيعة حوله مما أورثه الخوف على مستقبله، وبذا أعطته الأديان الثقة في المستقبل وطمأنينة البال (نفس المصدر ص 142)
. أما الفيلسوف والثيولوجي الألماني رودلف أوتو Rudolf Otto (1869- 1937) فيقول في كتابه The Idea of the Holy (1917): إن الأديان لا يمكن فهمها إلا عن طريق "المقدّس"، وهو اعتقاد لم ينتج عن تفكر وإنما عن حدس أو إيحاء نفسي ينم عن قوة غير محسوسة وفوق الطبيعة. إنه شعور بالروع والخشية من تلك القوة المجهولة (نفس المصدر والصفحة). 
ويتفق رادكلف- براون Radcliffe-Brown (1881- 1955) مع ديركايم Durkheim أنه لا فائدة من البحث عن كيفية نشأة الأديان وإنما المهم أن نرى أن المعتقدات الدينية نشأت في محاولة من الإنسان أن يعيش في مجتمعات كبيرة وغير منتظمة، ومهمة الأديان كانت تنظيم تلك المجتمعات، وبالتالي فإن المهمة الأولى للأديان هي مهمة اجتماعية (نفس المصدر ص 126). 
أما برونسلاف مالونفسكي Bronislaw Malinowski (1884-1942) فيقول إن الإنسان بطبيعته يخشى الموت ولا يريد أن يصدق أن موته يعني نهايته إلى الأبد، وهنا تأتي الأديان لتمنح الإنسان الضمانات النفسية بأن حياته سوف تستمر إلى ما لا نهاية في العالم الثاني. وبالتالي تصبح مسألة الخلود هي جوهر الأديان (ص 148). يقول فرويد (1856- 1939) في كتابهTotem and Taboo (1913) إن الدين عبارة عن وهم وخداع. ويعتبر أن الأديان طريقة غير مجدية للتعامل مع مشاكل الحياة. أما كارل ماركس (1818- 1883) فقد اعتبر أن الأديان تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي تعوض الفقراء عن فقرهم بوعدهم بالغنى الروحي، بينما تعطي الشرعية اللازمة لطبقة الأغنياء، وبهذه الطريقة فقد ساعدت الأديان على صقل المجتمعات ذات المصالح المتباينة، وفي نفس الوقت حافظت على مصالح الطبقة المتنفذة (نفس المصدر ص 45). 
السحر هو جوهر كل الأديان: يقول الألماني ماكس ويبر Max Weber (1864- 1920) مؤسس علم الاجتماع إن أقدم وظيفة في التاريخ هي وظيفة الكاهن والساحر والشامان، وكلها تعني نفس الشيء، ويكون صاحب الوظيفة من الأشخاص الذين يتمتعون بكاريزما عالية ويستعمل النباتات التي تحتوي على مواد منشطة Narcotics لتمنحه قوة إضافية يبهر بها من حوله عندما يصل به مفعول المواد المنشطة إلى درجة النشوة والابتهاج Ecstacy. ويستعمل الساحر لغة مسجوعة وحركات خفية ليوهم مشاهديه أنه بإمكانه التحكم في المستقبل ودرء الأخطار أو إيذاء أي شخص يختاره باستعمال قوته الخفية أي التي هي فوق الطبيعة. يقول مالونفسكي إن السحر ينجح وينتشر عندما يعجز الإنسان عن التحكم في المخاطر المحيطة به عن طريق المعرفة. يكثر استعمال السحر في أوقات الحروب وفي الصيد وفي فصول الجفاف عندما يكون مصير غذاء الإنسان معتمداً على الأمطار التي تأبى أن تهطل، أو عندما يمرض إنسان وتعجز الأعشاب عن شفائه. وقتها يتجه الناس إلى الساحر. 
ينتشر السحر ويسيطر على حياة القبائل البدائية حتى في وقتنا هذا. نجد مثلاً في قبائل جزر تروبرياند Trobriand التي تقع شمال نيو جني New Guinea بالقرب من استراليا، والتي تُعرف الآن ب كريوينا Kiriwina والتي تقع تحت حكم الحكومة الاسترالية، نجد أن القبائل البدائية التي تعيش في هذه الجزر ما زال يتحكم فيها السحر والساحرات. يعتقد سكان تلك الجزر أن الساحرات نساء يأكلن الجيف ويعرفن كيف يصبحن غير مرئيات invisible. هؤلاء الساحرات يمكنهن أن يطرن في الهواء ويتحكمن في قوارب الصيادين، وغالباً ما يحطمن تلك القوارب إذا غضبن على الصيادين. حتى الموت يكون بتأثير السحر والساحرات. ولذلك عليهم إرضاء الساحر أو الساحرة بتقديم الهدايا وإطاعة أوامره يعتقد هؤلاء الناس أن الإنسان عندما يموت يمكن لروحه أن تصير شبحاً Ghost يحوم حول مسكن الشخص المتوفى وتقوم بلعب نوع من الخدع على من يقترب من ذلك المسكن، أو يمكن للروح أن تصير Baloma، يعنى روحاً تذهب إلى جزيرة توما Tuma حيث تعيش حتى تشيخ ثم تنقلب إلى جنين تحمله إحدى الساحرات إلى الجزيرة الكبيرة ثم تدخله في مهبل إحدى النساء لتحبل به. وبهذه الطريقة لا يكون للرجل أي دور في الإنجاب، وينسب الأطفال إلا الأمهات. 
وهذا عكس ما يقول به الدين الإسلامي الذي يكرّس الإنجاب كله في ماء الرجل وينكر دور المرأة في تكوين الجنين. ولذلك نجد أن القرآن يقول إن الله استخرج من ظهور المؤمنين الأوائل ذريتهم وأخذ العهد من تلك الذرية أن يؤمنوا به (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) (الآعراف 172). فالجهل بكيفية تكوين الجنين متساوية بين الأديان البدائية والأديان السماوية. في البداية كان الدين القبلي امتداداً للسحر والكهانة وكان يعتمد على الطقوس التي يعلّمها الساحر أو الكاهن للناس في قبيلته. ومع مرور الزمن أصبح الساحر هو الكاهن والنبي أو الرسول وتغير الدين من دين قبلي إلى دين سماوي. يقول ديركايم إن الدين والسحر منفصلان، ولكن فان جنب Van Gennep يقول إنهما نفس الشيء وإن السحر هو الجانب العملي للدين بينما الدين هو الجانب النظري الذي يفرض على الناس تعاليم معينة (Brian Morris p 247). وقد استمر السحر كعامل مهم في الأديان السماوية الثلاثة (اليهودية، المسيحية، والإسلام). وقد حاولت اليهودية بكل الوسائل التخلص من السحر والسحرة وأمر العهد القديم بقتل السحرة. وفي المسيحية استمر السحر لعدة قرون حتى أتى كالفن بمحاكم التفتيش وأحرق عشرات الآلاف من الساحرات واستمر حرق الساحرات حتى القرن الثامن عشر كما حدث في أمريكا في مدينة سالم. وفي الإسلام نجد أن محمداً قد زعم أن اليهود سحروه ودفنوا السحر في بئر، فأرسل علي بن أبي طالب ليستخرج السحر بعد أن أخبره جبريل بمكانه. والقرآن يتحدث عن هاروت وماروت الذين أرسلهما الله إلى بابل ليعلما الناس السحر. وأهل مكة قالوا عن محمد إنه ساحر عندما بدأ دعوته فيهم. وهذا يؤكد أن السحر والأديان من نفس الطينة. إيفان بريتشارد كان كاثوليكياً ممارساً لطقوس دينه وكان عالماً أنثروبولوجياً فذاً. قضى هذا الرجل أكثر من عام مع قبائل الزاندي والنوير في جنوب السودان، وهذه قبائل نيلية بحته لم تختلط مع أي ثقافة أخرى. وبعد أن درس إيفان بريتشارد عاداتهم وطقوسهم أصابه الهلع من أنه سوف ينتهي بتفنيد الأديان السماوية. بالنسبة للزاندي فإن الساحرة ترث السحر من أمها ويكون في جسمها مادة السحر وهي عبارة عن كيس اسود يكون في منطقة الكبد. وتُعرف الساحرة بعينيها الحمراوين. وللساحرة مساعدون من الطيور والحيوانات الليلية. وللساحرات دهان مخصوص عندما تمسحه الساحرة على جسمها تصبح غير مرئية. والزاندي والنوير يعتبرون أن كل الأمراض الخطيرة والمحن التي يتعرض لها الفرد تكون بسبب أنه أتى بفعل يتعارض مع القيم المحلية مثل الزنى وزنى المحارم والقتل، وهي أشياء تُغضب أرواح الأسلاف. وبما أن المرض ينتج من غضب أرواح الإسلاف فلا بد للمريض من أن يقدم القرابين لأرواحهم كي يُشفى من مرضه. والقرابين بالنسبة للنوير نوعان: النوع الأول يُقدم في حالات المرض والعقم والمآسي الشخصية. والنوع الأخر يُقدم بالإنابة عن القبيلة ويكون في حالات الزواج والموت وبلوغ البنت أو الصبي مرحلة التكليف. وهناك شعائر معينة يقوم بها رجل الدين عند تقديم القرابين مثل إحضار الثور إلى مكان الاجتماع وتقديم الثور إلى روح أحد الأسلاف، ثم مباركة الثور بقراءة بعض التعاويذ عليه، ثم ذبح الثور وشواء اللحم. وهذه الطقوس لا تختلف كثيراً عن طقوس تقديم القرابين إلى يهوه إله اليهود وشواء لحم الثور حتى يشم يهوه رائحة الشواء. والنوير يعتبرون تقديم القرابين للأرواح عبارة عن افتداء وخلاص للروح وكفارة وتطهير لأفراد القبيلة عما اقترفوه من آثام (Brian Morris, p 200). وهي نفس الأفكار التي تعشعش في رؤوس المسلمين عندما يذبحون الهدي في مكة أيام الحج. يعتبر النوير أن الأرض ملك الإنسان والسماء ملك الإله ويقومون بطقوس أخرى يسمونها طقوس الاستحواذ وتًقام هذه الطقوس عندما يستحوذ روح أحد الأسلاف على شخصً ما. فإذا كان الاستحواذ مؤقتاً يُشفى الشخص بعد تقديم القرابين، ولكن إذا كان الاستحواذ مستديماً فيصبح ذلك الشخص نبياً ويصبح هو الذي يستحوذ على الروح ويكون بالتالي قد امتلك قوة إضافية تمكنه من علاج المرضى والتنبؤ بالمستقبل. ومن مهام هذا النبي قيادة الغزوات ضد قبيلة الدينكا لأخذ أبقارهم. (ربما يكون محمد قد اقتبس هذه الوظيفة من النوير). الأديان البدائية تعتمد اعتماداً كلياً على الطقوس Rituals التي يقودها الكاهن أو النبي وتستلزم لباساً معيناً ودهن الجلد والشعر بأصباغ معينة. يقول روبرتسون – سميث إن الطقوس أهم عندهم من المعتقدات نفسها. وغالباً ما تصاحب الطقوس موسيقى ورقص تجعل المشاركين يصلون في بعض الأحيان إلى حالة من الانفعال يفقد فيها الشخص التحكم في عواطفه. ونرى بعض هذه الحالات في البلاد التي تنتشر فيها الصوفية الذين يصلون إلى حالة من الهستيريا الجماعية على وقع أصوات الطبول. مهمة هذه الشعائر في المقام الأول هي تقوية الانتماء إلى القبيلة أو المجموعة الدينية. عبادة الطوطم Totemism: كل القبائل البدائية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية والهنود الحمر في أمركا الشمالية لديها طواطم تقدسها كجزء وتعبير عن اعتقادهم في أرواح أسلافهم. قد يكون الطوطم عبارة عن نبات أوشجرة معينة أو حيوان . وأهم ما يميز الطوطم عن بقية الأشجار أو الحيوانات هو اللون. فمثلاً في قبيلة نديمبو Ndembu في زامبيا يتكون الطوطم عندهم من ثلاث أشجار ألوانها أحمر وأبيض وأسود. فشجرة الموداي modyi يخرج منها سائل أبيض ولذلك يعتبرونها شجرة بيضاء رغم أنها خضراء، وشجرة الموكولا mukula سائلها أحمر ولذلك تعتبر شجرة حمراء. وفي احتفالات تقديم القرابين يحدثهم زعيم القبيلة عن الأنهر الثلاثة التي تنبع من الإله الأعلى. أحد الأنهر ماؤه أحمر، والأخر ماؤه أبيض والأخير ماؤه أسود. وربما تكون هذه الأنهار هي نفسهخا التي قال العهد القديم إنها تخرج من الجنة، ووافق الإسلام اليهودية وقال إن نهر النيل والفرات يخرجان من جنة عدن. ونفس ألوان الطوطم هي ألوان الأدوية التي يخلطها معالج القبيلة medicine man. فالدواء الأبيض يدل على الصحة والعافية، بينما الأحمر يدل على الدم الذي يسيل من المريض إذا جُرح ومن البنت عندما تبلغ سن الرشد. أما الدواء الأسود فيدل على الليل والمرض وسوء الطالع. ولا بد أن تُخلط الأدوية الثلاثة بترتيب معين لا يحيد عنه المداوي. والطوطم كذلك موجود في الديانات السماوية الثلاثة رغم زعمهم أنها توحيدية. فنجد اليهود يقدسون حائط المبكي ويترنمون عنده، والمسيحيون يحملون الصليب ويركعون عنده، أما المسلمون فيطوفون حول الكعبة ويغسلونها بماء الورد ويكسونها بالحرير والديباج رغم أنها بناء من طين أقامه عبد الله بن الزبير بعد أن هدم الحجاج بن يوسف الكعبة بالمنجنيق. فلا فرق إذاً بين دين قبلي ودين سماوي. قبائل الاندمان: تقع جزر الأندمان في خليج البنغال بين الهند ونيبال، وهي جزر معزولة عن الحضارة. وقد عاش بها رادكلف – براون فترة من الزمن وكتب عن عاداتهم وديانتهم. أهم ما يميز معتقداتهم هو تقديسهم لأرواح الإسلاف التي جعلوا منها روحاً مسؤولة عن كلٍ من البحر والمطر والسماء والغابات. أما القمر والشمس والبرق والرعد فهي الآلهة بالنسبة لهم. وطقس الموت عندهم من أهم الطقوس التي يحرّمون فيها أنواعاً معينة من الطعام. وتمثل لهم الرياح حدثاً مهماً لأنهم في منطقة رياح المنسون المعروفة التي تحيق الدمار بالجزر، ولذلك جعلوا أهم أرواح الأسلاف مسؤولة عن الرياح. بليكو Biliku مسؤول عن المنسون التي تأتي من ااشمال الشرقي، بينما تاراي Taraiمسؤول عن الرياح التي تأتي من الجنوب الشرقي. وديانتهم تعتمد على الشامان (الكاهن) الذي يتصل مع الإله عن طريق الحُلم أو الدخول في حالة استحواذ عندما تسيطر عليه الأرواح ويصبح في حالة هيجان ecstasy. ونسبةً لاتصاله بالأرواح يستطيع الشامان شفاء المرضى والتخفيف من حدة الرياح الموسمية, بالنسبة للأندمان فإن العالم يتكون من ثلاث مكونات: الأرض وما عليها من حيوانات، والبحر وما فيه من أسماك وحيتان، ثم السماء وما فوق رؤوس الغابات من طيور. وعندما يبلغ الصبيان سن الرجولة عليهم أن يشتركوا في طقس العبور Ritual of Passage الذي يُحرّم فيه أكل لحم السلحفاة والأسماك. وبعد انقضاء فترة المنع يقيم السكان وليمة كبيرة يكون الطبق الرئيسي فيها هو لحم السلحفاة التي يجب أن تُذبح وهي ملقاة عن ظهرها ورأسها في اتجاه البحر. ويجب على الشاب ألا يلمس لحم السلحفاة بيده فيستعمل ملقاطاً مصنوعاً من شجرة الكركديه. ثم بعد ذلك عليهم أن يمتنعوا عن أكل لحم الخنزير وبعض الفواكه. وتنتهي هذه الفترة بوليمة من لحم الخنزير. ثم في المرحلة الأخيرة يحرمون أكل العسل لفترة ثم يبيحونه. لا تختلف هذه الطقوس كثيراً عن طقوس اليهودية والإسلام التي تُحرّم أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، التي سوف تباح لهم فيما بعد ويسبحون في أنهارٍ منها. كل الديانات القديمة تُقدّس الطوطم وتمنع المرأة والطفل الذي لم يبلغ الحلم ولم يشترك في "طقس العبور" من لمس الطوطم. والمرأة كذلك تُمنع من تناول عدة أنواع من الطعام. وهي تقريباً نفس التابوهات التي تفرضها اليهودية وكذلك الإسلام على المرأة. أما المصحف بالنسبة للمسلمين فهو الطوطم الذي لا يمسه إلا المطهرون. الأحلام: الأحلام مثلت هاجساً كبيراً بالنسبة للإنسان البدائي، وما زالت تمثل هاجساً لشيوخ الإسلام الذين أسسوا برامجاً في الفضائيات لتفسير الأحلام. الإنسان البدائي رأي في الأحلام التي كانت تزعجه عندما يرى شبح أحد أسلافه في النوم، سؤالاً محيراً: ماهذه الأشباح؟ واقتنع أخيراً بأن كل إنسان له جسم وحياة طبيعية، وله كذلك طيف يظهر في الأحلام. يعتقد كارل جوستاف يانج Carl Gustav Jung (1875- 1961)، والذي كان طبيب أمراض نفسية قبل أن يصبح عالم اجتماع، أن أوهام الأطفال وأحلام المرضى النفسيين أغلبها تدور حول مسائل دينية، وبالتالي هو يعتقد أن الأحلام هي اللغة التي يتحدث بها إله السماء. يقول ليفي بروول Levy – Bruhl (1857- 1939) الفيلسوف الفرنسي وعالم الاجتماع إن الأحلام تُعتبر في أوربا مواضيع غير قابلة للتحقيق subjective، لكنها تختلط بالحقيقة في الشعوب البدائية. وقد رأينا كيف تمسك شيوخ الإسلام، بل نبيه، بالأحلام وكان يقول لأتباعه إنه رأى فيما يرى النائم. وهناك تشريعات كثيرة وأحكام استنبطوها من أحلام محمد أو أحلام الشيوخ أنفسهم مثل أبي الحسن الأشعري الذي كان معتزلياً ورأى النبي في المنام وطلب منه الأخير أن ينافح عن سنته، فتحول إلى سلفي. الحج: في ورقة مطولة عن الحج في كل الأديان القديمة يقول فيكتور تيرنر Victor Turner (1920- 1983): 1- تكون أضرحة الحج غالباً في مكان بعيد عن سكنى القبيلة، ويكون في غار أو جبل أو غابة 2- تُعتبر فترة الحج بمثابة تقاعد عن هموم الحياة اليومية ومشاكلها 3- في موقع الحج يُشدد الحجاج على أن الناس متساوون لا فرق بين الغني والفقير أو بين طبقة وطبقة أخرى من الناس 4- مع أن القيام بالحج يكون خياراً فردياً فهو في نفس الوقت واجب ديني وتكفير عن الذنوب 5- الأماكن التي يأتي منها الحجاج غالباً تكون أبعد كثيراً عن حدود القبيلة أو البلد التي بها المزار يعتقد تيرنر أن الحج في الديانات السماوية هو عبارة عن تكرار لطقوس العبور التي تمارسها القبائل البدائية. وإذا نظرنا للحج في الديانة الهندوسية نجد أن أكثر من ثلاثة ملايين حاج يأتون كل عام ليسبحوا ويغتسلوا في نهر الجانجيز Ganges المقدس ليرجعوا إلى قراهم كيوم ولدتهم أمهاتهم بدون أي ذنوب. وحج الهندوس لا يختلف عن حج المسيحيين إلمكسيك إلى ضريح العذراء في جوادالوب Guadalupe أو حج المسيحيين الأوربيين إلى "لورد" في فرنسا، وحج المسلمين إلى مكة ونلاحظ أنه لا يوجد فرق كبير بين محتوى ووظيفة الأديان السماوية عن رصيفتها البدائية. وكلا النوعين من الأديان له أضراره. يقول اريك فروم Eric Fromm (1900 – 1980)، طبيب نفساني وعالم اجتماع، يقول: الأديان خطر على المجتمع لأنها تقدس العادات السيئة عند الإنسان ولأنها تمنع النقد تقود إلى إفقار الذكاء, وكذلك بربطها القيم المثلى في المجتمع بالدين تجعل الأخلاق تقف على قاعدة مهزوزة. سعادة الإنسان وحريته والحقيقة نفسها في خطر لارتباطها بالدين. وهذا هو رأي فرويد في الدين كذلك. ونجد مثلاً في المسيحية يؤمن المتشددون أن المسيحي الحق يمكنه أن يمسك بالثعابين دون أن تصيبه بأذى.( 18 يَحْمِلُونَ حَيَّاتٍ وَإِنْ شَرِبُوا شَيْئاً مُمِيتاً لاَ يَضُرُّهُمْ وَيَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْمَرْضَى فَيَبْرَأُونَ) (سفر مرقس، الإصحاح 16). فنرى هنا أن أي متشدد في دينه يمكن أن يعتبر نفسه من هؤلاء المؤمنين الذين تحدث عنهم المسيح وقال أنهم يمكنهم إمساك الأفاعي دون أن تؤذيهم. وفي دراسة مطولة في أمريكا عام 2000 وجد الدارسون أن 11 شخصاً من مجموع 16 من الذين يمسكون بالثعابين قد عضتهم الثعابين وكل واحد منهم يعرف شخصاً قد أمسك بثعبان عضه فمات (Ralph Hood Jr, the psychology of religion, p 29). فلولا إيمانهم الأعمى بكلام المسيح لما حاولوا القبض على الحيات ولما ماتوا. وهناك بالطبع كراهية الأخر المخالف مثل فقه الولاء والبراء في الإسلام ومثل الأميين Gentiles في اليهودية. وبالطبع نتج عن هذه الكراهية حروب دينية كثيرة أدت إلى موت الملايين بالإضافة إلى ذلك نجد مجموعات دينية مغلقة تتزاوج فيما بينها وتمنع الاختلاط بالعالم الخارجي كما يحدث في مجموعة "الأيمش" Amish في أمريكا ومجموعة ال Hutterites في داكوتا وفي كندا. تنتشر الأمراض الوراثية بكثرة في هذه المجموعات نسبة لزواج الأقارب بسبب تعاليم الدين. إله الأديان السماوية لا يختلف عن إله أو آلهة الأديان البدائية القبلية فهو نتاج وهم وتخيلات إنسانية. تقول كارن آرمسترونج Karen Armstrong التي كانت راهبة قبل أن تتخلى عن الأديان: لا شك أن بعض الصوفية وبعض أحبار اليهود سيقولون لي إن الله نتج من الخيال الخلاق ولا وجود له في أرض الواقع (A History of Religion, p 4). أما شوبنهور فقد قال إنه لا توجد حقيقة مطلقة ولا يوجد إله ولا توجد روح، فقط الموسيقى والفن يمكن أن تنقذنا (نفس المصدر ص 405). وحتى فيدور دوستيفسكي في قصته الرائعة "الأخوة كرامزوف" يصف فيها موت الإله. أما جان بول سارتر فيقول: حتى لو كان الله موجوداً لوجب علينا أن نرفضه لأن فكرة وجود الله تلغي حريتنا. (نفس المصدر ص 433). والبير كامو يقول: يجب أن يرفض الناس فكرة الله حتى يتمكنوا من إفراغ حبهم على بقية البشر. أما نتيتشه فقد أعلن قولته المشهورة بموت الإله يتضح لنا من هذا السرد أن الأديان صناعة بشرية بدأت مع المجتمعات البدائية الجاهلة واستمرت حتى الآن يرفع عصاها الشيوخ الجهلاء والحاخامات الذين غالباً لا يعرفون شيئاً غير النصوص الدينية. وضرر الأديان واضح لكل ذي عينين في وقتنا هذا.
كامل النجار
الحوار المتمدن-العدد: 4123 - 2013 / 6 / 14 - 10:45
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني

لاخطاء اللغوية والإملائية في القرآن - جزء 1

أفلا يتدبرون القران ولو كان من عند غير الله  لوجدو فيه إختلافا كبيرا - سورة النساء    يعتقد معظم المسلمين أن في القرآن سمات رب...